مشكلة الإلحاد أسبابها وعلاجها [3]

2014-635429567479070890-907

 

الإلحاد مشكلة كبرى، تنخر في القيم والمبادئ والأطر الإنسانية وأسس المنطق والتفكير السليم، ومهما حاول الملحد أن يوهم نفسه بخلاف ذلك فالحقيقة كذلك، فكم ارتُكب باسم الإلحاد من جرائم وإرهاب وقتل وتعذيب واضطهاد للشعوب والأمم، والتاريخ القديم والحديث خير شاهد على ذلك، فظهور الإلحاد لا يبطل الحروب، ولا ينشر التسامح والسلام، بل هو على النقيض، فكم دُعي باسم الإلحاد إلى حتمية التصارع، وحتمية التناحر الاقتصادي، والتمييز العنصري، وتفضيل أعراق على أعراق، وألوان على ألوان، وتسويغ تصفية الضعفاء والعجزة والمعاقين، وتسويغ الاستعمار، وغير ذلك.

وللإلحاد تأثيرات سلبية عديدة على الشخص من الناحية العقلية والفكرية، منها:

أولا: وصول الشخص إلى حالة من التعصب الأعمى، ومقاومة الإيمان بضراوة، وعدم الاستعداد لتقبله مهما ظهرت دلائله، وقد أخبر الله عن هذا النوع من التعصب في آيات عدة، ونعى على أصحابه.

ثانيا: الانغلاق العقلي، والجمود الفكري، فالملحد مهما توهم أنه منطلق في تفكيره فهو منغلق على إلحاده، فما وافق إلحاده أخذ به، وما خالفه رماه خلف ظهره، مهما كان ما أخذ به خطأ، وما رماه صوابا.

ثالثا: تعطيل العقل، ومخالفة الضروريات والبديهيات، باسم الحس والمادة والتجربة وغيرها، وأمثلة ذلك كثيرة، فهذا ملحد عربي يسأله مذيع: الكأس الذي أمامك ألا يدل على صانع؟ فقال: بلى لأني أعرف المصنع الذي صنعه، فسأله المذيع: فإذا لم تعرف المصنع ألا يدل الكأس في حد ذاته على وجود صانع له؟ فأجاب: لا طبعا! فلا مانع عند هذا الملحد أن يكون الكأس الذي بين يديه وُجد ذاتيا، وأن تكون أجزاؤه تجمعت من تلقاء نفسها، ويقول هذا الملحد في ثنايا كلامه: إن الكون ليس كهذا الكأس الذي نصنعه، وهذا صحيح، فما الكأس بجانب الكون الرهيب المهيب العظيم المتقن، ولو تفكر هذا القائل لعلم أن دلالة الكون على صانع مبدع أعظم من دلالة الكأس على ذلك، ولكنَّ المشكلة مع هذه العينة ليست في إثبات صانع للكون بل في إثبات صانع للكوب، مما يدل على أن المشكلة في نوعية التفكير وفي تعطيل العقل.

رابعا: الغلو في علماء الطبيعة وتقديسهم، والاستعداد لقبول أي شيء صادر من أحدهم ولو كان محض فرضية تقارب الخرافة والخيال.

خامسا: قابلية الشخص لتقبل أي فكرة مهما كانت خرافية أو عنصرية أو لا أخلاقية تحت مسمى نظريات أو فرضيات أو أجندات فكرية أو سياسية أو غيرها، فلتذهب المساواة أدراج الرياح عند الملحد إذا ادَّعت النظرية الفلانية تفوُّق الأعراق البيضاء على السمراء، وزعمت أن العرق الأبيض يتفوق عقليا وذهنيا على غيره، وما المانع من الانتحار إذا كانت الحرية الشخصية بلا حدود من المنظور الإلحادي، وليس هذا الكلام افتراض، بل له مروجون وقائلون.

سادسا: انقلاب الموازين في التصورات والرؤى، فتصبح دقة نظام الكون وكمال قوانينه وجمالها – صنع الله الذي أتقن كل شيء – دليلا عند الملحد على نفي الصانع لا على وجوده وكمال قدرته وحكمته، وتصبح أوجه التشابه في تكوين المخلوقات دليلا على نفي الصانع لا على وحدانيته وإتقانه، ويصبح جزاء المحسنين وعقاب المسيئين والانتصار للمظلومين في الآخرة دليلا على ظلم الخالق لا على كمال عدله.

سابعا: الوقوع في التناقضات، فالإلحاد والتناقض قرينان، فتجد ملحدا يتهم الإسلام بالهمجية والبربرية، بينما يرى أن إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما وناجازاكي والتي أودت بحياة آلاف المدنيين عملا صائبا حكيما، ويزعم أنه ضد الدواعش والإرهابيين، بينما يعتبر في الوقت نفسه أن الصراع والتقاتل وإفناء القوي للضعيف حتمية اجتماعية، فالطرفان متفقان على حتمية الصراع والإفناء، أولئك باسم الدين وهؤلاء باسم الإلحاد، ويرى الملحد أنه غنيٌّ عن الأمر والنهي، فهو لا يريد إلها يأمر وينهى، مع أنه في الوقت نفسه لو كان مدير مصنع صغير أو شركة صغيرة لما رضي إلا بأن يكون الآمر الناهي وصاحب الكلمة النافذة، ويزعم الملحد أن الآلام الموجودة في العالم تنفي الخالق أو توصمه بالظلم تعالى الله عن ذلك، بينما هو في الوقت نفسه يثبت وجود هذه الآلام، وينسبها إلى الطبيعة، ولا يؤمن بالحكمة الإلهية ولا بالآخرة، فلا عزاء للمتألمين، ومن قتل واغتصب وذبح وسرق ثم فلت أو انتحر فقد نجا، ولا عزاء لضحاياه، فأراد باسم العدالة نفي الخالق فوقع في نفي العدالة والتبشير بالظلم بأبشع صوره، ويرفض الملحد عقيدة المؤمنين في خلق الكون، ويشبِّه الخلق بعمل سحري تهكُّمًا واستهزاءً، بينما يؤمن بما سخر منه فيقرُّ مذعنًا بظهور الكون بفعلٍ جبَّارٍ خارج عن نطاق العقل وحدود العلم عبر الانفجار العظيم طالما أن مصدره علم الكونيات وقائلوه هم علماء الطبيعة.

ثامنا: الانتقائية في القراءة والخطاب، فيزعم الملحد مثلا أن الإسلام دين قتل وإرهاب، في قراءة مغلوطة للتاريخ والواقع والنصوص، ويتجاهل المواقف الكثيرة الواضحة والنصوص العديدة الصريحة التي تخالف ذلك، من مثل العفو النبوي الشامل عن أهل مكة عام الفتح، وما أنزله الله من آيات تتلى إلى يوم الدين في الحض على هذا العفو والتسامح .

هذه بعض الآثار الناجمة عن الإلحاد، فضلا عن أبعاده النفسية والاجتماعية وغيرها، والكلام حول هذا الموضوع كثير، وهذه كما يقال إضاءات على الطريق.