2014-635429567479070890-907

مشكلة الإلحاد أسبابها وعلاجها [1]

– إن تناول قضية الإلحاد وخاصة في المجتمعات العربية والإسلامية لا بد أن يكون تناولا موضوعيا، بعيدا عن التضخيم والمبالغة وإظهار الإلحاد في مجتمعاتنا وكأنه سرطان مستشر أو كرة ثلج تتدحرج من فوق جبل لتهدد الجميع وتفتُّ من إيمانهم، وبعيدا أيضا عن التساهل والتهاون والجمود في الخطاب وترك استراتجيات الوقاية والعلاج، فهناك ملاحدة في العالم العربي والإسلامي، وهناك من يجاهر بذلك في مواقع التواصل وفي بعض القنوات، وهناك ملاحدة كثر في العالم الغربي، ينشرون إلحادهم، ويدعون الناس إليه.

إن تشخيص أسباب الإلحاد من أهم الخطوات في طريق الوقاية والعلاج، ومن خلال دراسة هذا الملف ورصد بعض الحالات يتبين للباحث أن أسباب ودوافع الإلحاد متعددة، ومن أهم هذه الأسباب في نظرنا ما يلي:

 أولا: ضعف المناعة الإيمانية والجفاف الروحي، فيصادف الإلحاد قلبا خاويا فيتمكَّن منه، كما هو الحال عند نقص المناعة الجسدية، فإن الجسم يكون بسبب ذلك عرضة للإصابة بالفيروسات الموبوءة والأمراض الفتاكة، لضعف جهاز المناعة عن مقاومة هذه الأمراض.

ثانيا: ضعف العلم والثقافة الإسلامية الصحيحة، فالأمية الدينية خطرٌ كبير، وخاصة في ظل الانفتاح الثقافي ووسائل العولمة وثورة التقنيات الحديثة والاتصالات السريعة، التي أدت إلى سرعة انتشار المعلومات والأخبار بغثها وسمينها، وقربها من متناول الأيدي، مع كثرة المواقع المشبوهة، وكثرة ما يبث من شبهات عبر مواقع تواصل عالمية، تساهلت حتى مع الشتم البذيء والازدراء الفاحش الذي يصدر من المتهجمين على الذات العلية وعلى ذوات الأنبياء والمرسلين، وكما أن الإلحاد قد يصادف قلبا خاويا فيتمكن منه فقد يصادف أيضا عقلا خاويا فيفتك به، وقد يقع الشاب بسبب ضعف المناعة العلمية ضحية لأفكار تمهد للإلحاد أو تقود إليه أو توقع فيه.

ثالثا: المعلومات المغلوطة والتصورات الخاطئة التي ترتسم في ذهن الشخص حول قضايا معينة، سواء فيما يتعلق بالذات الإلهية أو مسائل القضاء والقدر ووجود الشرور والآلام أو مسائل الوعيد والعقاب الأخروي أو حقيقة الدين وأحكامه وتشريعاته أو الفهم الخاطئ لبعض جوانب العلم الحديث أو غير ذلك.

رابعا: عوامل نفسية وشخصية، وهي كثيرة، مثل الإفراط في تقدير الذات، ومحاولة الشخص إشباع رغبته بالشعور بأنه الأفضل، وأنه فوق الناس في عقله وذكائه وعبقريته، وأن الناس دونه، فيجد في الإلحاد وسيلة لإشباع هذه الرغبة، محاولا إقناع نفسه بأن الإلحاد قمة العبقرية والنخبوية، وأنه لا يبلغه إلا أصحاب العقول الفريدة، وأنه منهم، وأن كل من حوله مساكين رجعيون، لأنهم يؤمنون بالقوى الغيبية، ويتعبون أنفسهم بالعبادات، ويحرمونها اللذائذ والمتع الجنسية وغيرها، ومثل هذا النوع يتصف بسلاطة اللسان وكثرة السخرية والاستهزاء والازدراء بالآخر والاستعلاء بالنفس، ومن هذه العوامل أيضا الإفراط في الحرية الفردية إلى درجة التكبر، ورفض مبدأ الأمر والنهي، والرغبة في التحلل من التكاليف الدينية والقيود الاجتماعية، والانسياق وراء الهوى واللامبالاة، واضطرابات الشخصية، والأمراض النفسية، والوسواس القهري، وغيرها.

ومن العوامل النفسية أيضا محاولة التخلص من عقدة النقص والشعور بالدونية والتي تتسلل إلى الشخص نتيجة الهزيمة النفسية، وتنجم عن المقارنات الخاطئة بين بعض المجتمعات الإسلامية وغيرها، وخاصة في مضمار العلوم الحديثة، فتجده يربط كل نقص وتخلف يجده عند بعض المسلمين بالإسلام، ويربط كل نجاح وتطور يجده في الغرب أو الشرق بالإلحاد، وإذا وجد عند المسلمين تطورا وازدهارا حاول أن يوهم نفسه بأنه نتاج الليبرالية والعلمانية وغيرها، وليس نابعا من دينهم، ليقنع نفسه بأن الإسلام لا يمكن أن يُنتج تطورا وازدهارا.

خامسا: التطرف أيًّا كان نوعه؛ دينيا أو اجتماعيا أو غير ذلك، والإفراط في جلد الذات، والتضييق على النفس، والانغلاق العقلي، بعيدا عن الشرع والعقل والفطرة، مما يوقع النفس في النفرة، فيأتي الإلحاد كردة فعل ساخطة، ومن فقد بوصلة الاعتدال فقد تودي به الرياح في أي اتجاه يكون، وفي الحديث: «هلك المتنطعون» أي: المتشددون.

سادسا: أنماط التفكير السلبية، مثل الاندفاع والتسرع في تبني الآراء، والسطحية في التفكير، والغلو في الشك واضطراده في كل شيء، وإسقاط اليقينيات، والغلو في الحس والتجربة والمادة، إلى درجة تعطيل العقل، ومخالفة الضروريات والبديهيات، وهناك مواقف كثيرة لملاحدة تُظهر أثر الغلو الحسي في تعطيل العقل ومخالفة الضروريات التي لا يختلف فيها العقلاء، ومن ذلك أيضا تقديس علماء العلوم الطبيعية، والغلو فيهم، والاستعداد لقبول أي فكرة صادرة من أحد منهم ولو كانت محض فرضية تقارب الخرافة والخيال وتناقض العقل الصحيح وتصادم معطيات العلم الحديث.

سابعا: طريقة التعامل مع الشبهات والتساؤلات الكبرى، وعدم التعامل السديد مع المستشكلين، وسنفصل ذلك عند الكلام على العلاج.

ثامنا: المصالح والأغراض، كمن يرأى في الإلحاد وسيلة له لتحقيق مكاسب دنيوية ما.

تاسعا: مؤثرات خارجية، مثل رفقاء السوء، وسلوكيات بعض المتدينين، والممارسات الإجرامية للإرهابيين، ونشاطات الملحدين، وضعف الأمة، والخطاب الديني المنحرف.

عاشرا: الحرب النفسية التي تُشن لبث الإلحاد، مثل الإرهاب الفكري، والتشكيك في عقيدة المؤمنين، والسخرية منها، والازدراء بها، وتضخيم الإلحاد، والمبالغة في تكثير عدد الملحدين، وغير ذلك.

هذا ما تيسر في هذه العجالة، ولنا لقاء آخر حول هذا الموضوع نتناول فيه علاج هذه المشكلة وآثارها.